الشيخ محمد رشيد رضا

275

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليهم السّلام . وكشفت ما أوردوا من الشبهات على ذلك . فنحن نلخص أولا ما جاء في معنى الرسالة وموضوعها ووظائف الرسل ثم نقفي عليه بما ورد فيما أثبتها اللّه تعالى به من الآيات ودفع الشبهات عنها فنقول : موضوع الرسالة ووظائف الرسول ان الرسول بشر آتاه اللّه علما ضروريا غير مكتسب لهداية الخلق به إلى ما تتزكى به أنفسهم وتتهذب به أخلاقهم وتصلح به أحوالهم الشخصية والاجتماعية . بحيث يكون الوازع لهم به من أنفسهم . وهو الايمان اليقيني والتسليم الاذعاني بالتعليم والهدي الذي جاء به الرسول لا القهر والسيطرة وبذلك يكونون سعداء في الدنيا بقدر ما يكون في الدنيا من السعادة ويحيون الحياة الأبدية العليا في الآخرة . وصف اللّه تعالى ما أرسل به خاتم رسله ( ص ) بأنه الحق وبأنه بصائر للناس وبأنه هدى ورحمة . وبأنه صدق وعدل . وبأنه صراط مستقيم ودين قيم . وأثبت أن الرسول نفسه على بينة من ربه فيه . وأنه أول المسلمين له والمهتدين به . قال تعالى ( 5 فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ ) وقال ( 66 وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ) وقال ( 113 وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) وقال ( 57 إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ) والحق هو الأمر الثابت المتحقق بنفسه فلا يمكن نقضه ولا إبطاله - فبهذا الوصف ينبه العقلاء إلى أن يبحثوا عن حقيته بفكر مستقل وبالآيات الدالة عليه ليصلوا بأنفسهم إلى معرفة أنه الحق . وهي غاية لا بد أن يصل إليها الباحث المنصف البريء من الأهواء في نظره ومن قيود التقليد في طلبه للحق كما قال في آخر سورة فصلت ( 41 : 53 سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) كذلك كان وهكذا يكون وقال ( 103 قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) والبصائر جمع بصيرة وهي لادراك العقل كالبصر في ادراك الحس فتطلق على المعرفة اليقينية . وعلى الحجة العقلية والعلمية . وفي معناه وصف الوحي من آخر سورة الأعراف بقوله ( 7 : 203 هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ومثله في سورة الجاثية ( 45 : 19 ) وأمر رسوله في أواخر سورة يوسف بان يقول ( 12 : 108 قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) ويؤيد هذا كل ما ورد في الآن من الاعتماد على الآيات